الجصاص
370
أحكام القرآن
قوله عليه السلام : " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " هو على هذا المعنى . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا زنت أما أحدكم فليجلدها " فإنه ليس كل جلد حدا ، لأن الجلد قد يكون على وجه التعزير ، فإذا عزرناها فقد قضينا عهدة الخبر ولا يجوز أن نجلدها عنه بعد ذلك ، ويدل على أنه أراد التعزير قوله : " لا يثرب عليها " يعني : ولا يعيرها ز ومن شأن إقامة الحد أن يكون بحضرة الناس ليكون أبلغ في الزجر والتنكيل ، فلما قال : " ولا يثرب عليها " دل ذلك أنه أراد التعزير لا الحد ز ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الرابعة : " فليبعها ولو بضفير " ولم يأمر بجلدها ، ولو كان ذلك حدا لذكره وأمر به كما أمر به في الأول والثاني والثالث ، لأنه لا يجوز تعطيل الحدود بعد ثبوتها عند من يقيمها ، وقد يجوز ترك التعزير على حسب ما يرى الإمام فيه من المصلحة ز فإن قيل : لو أراد التعزير لوجب أن يكون لو عزرها المولى ثم رفع إلى الإمام بعد التعزير أن يقيم عليها الحد ، لأن التعزير لا يسقط الحد ، فيكون قد اجتمع عليها الحد والتعزير . قيل له : لا ينبغي لمولاها أن يرفعها إلى الإمام بعد ذلك ، بل هو مأمور بالستر عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم لهزال حين أشار على ما عز بالإقرار بالزنا : " لو سترته بثوبك كان خيرا لك " ، وقال صلى الله عليه وسلم : " من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فإن من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه كتاب الله " . وأيضا فليس يمتنع اجتماع الحد والتعزير ، وقد يجب النفي عندنا من الجلد على وجه التعزير . وروي أن النجاشي الشاعر شرب الخمر في رمضان فضربه علي كرم الله وجهه ثمانين وقال : " هذا لشربك الخمر " ثم جلده عشرين وقال : " هذا لإفطارك في رمضان " فجمع عليه الحد والتعزير ، فلما كان ذلك جائزا لم يمتنع لو رفعت هذه الأمة بعد تعزير المولى إلى الإمام أن يحدها حد الزنا . باب اللعان قال الله عز وجل : ( والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم ) إلى آخر القصة . قال أبو بكر : كان حد قاذف الأجنبيات والزوجات الجلد ، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء : " ائتني بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك " ، وقال الأنصار : أيجلد هلال بن أمية وتبطل شهادته في المسلمين ! فثبت بذلك أن حد قاذف الزوجات كان كحد قاذف الأجنبيات وأنه نسخ عن الأزواج الجلد باللعان ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهلال بن أمية حين نزلت آية اللعان : " ائتني بصاحبتك فقد أنزل الله فيك وفيها قرآنا " ولاعن بينهما . وروي نحو ذلك في حديث عبد الله بن مسعود في الرجل الذي قال : أرأيتم لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فإن